
الدكتورة لينا صادق – أخصائية الطب النفسي
في حوراها مع مجلة سَكينة، أكدت الدكتورة لينا صادق، أخصائية علم النفس والمعالجة النفسية في مستشفى ذا فيو، أن الصحة النفسية لم تعد قضية هامشية أو مؤجلة، بل أصبحت جزءاً أساسياً من حياة الإنسان اليومية، لما لها من أثر مباشر على التوازن النفسي، والعلاقات، والإنتاجية، والقدرة على مواجهة التحديات وأوضحت أن طلب المساعدة النفسية لا ينبغي أن يُفهم على أنه علامة ضعف، بل بوصفه خطوة واعية نحو الفهم والتعافي وتحسين جودة الحياة.
وأشارت د. لينا إلى أن شغفها بمجال العلاج النفسي بدأ من ملاحظتها المباشرة لحاجة الأفراد إلى تطوير مهارات جديدة تساعدهم على التعامل مع تحديات الحياة، سواء في تربية الأطفال أو في العلاقات أو في التكيف مع الضغوط المختلفة ومن هنا تشكل اهتمامها بعلم النفس بوصفه مجالاً يرتبط ارتباطاً وثيقاً بصحة الإنسان الجسدية والنفسية معاً، خاصة مع تزايد التأكيد العلمي على أن الصحة النفسية تشكل أحد الأعمدة الأساسية للصحة العامة.
وبيّنت أن من أبرز ما تعلمته من العمل المباشر مع الناس أن كثيراً من المشاعر المرتبطة بالقلق أو الاكتئاب أو الخوف أو الضغوط النفسية تعد استجابات طبيعية في ظل الظروف القاسية والتحديات المتسارعة التي يعيشها الأفراد اليوم وترى أن العلاج النفسي لا يقتصر على تخفيف الأعراض فقط، بل يساعد أيضاً على اكتساب مهارات جديدة، وإعادة معالجة الذكريات والتجارب التي أسهمت في تشكيل أنماط غير متكيفة في التفكير أو الشعور أو السلوك.
وفي حديثها عن طبيعة عمل الأخصائي النفسي السريري داخل المؤسسة الطبية، أوضحت د. لينا أن هذا الدور يمثل ركيزة أساسية في مساعدة الأفراد على تجاوز الأزمات الحياتية والنفسية، بل وحتى بعض المشكلات الصحية التي قد يكون منشؤها نفسياً لا عضوياً وأكدت أن العمل العلاجي داخل المؤسسات الطبية يكون أكثر فاعلية حين يقوم على تدخل شامل يراعي الجوانب الجسدية والنفسية والاجتماعية معاً، لأن هذا التكامل يعزز فرص التعافي ويحسن جودة النتائج العلاجية واستمراريتها.
وعن واقع الوعي بالصحة النفسية في المجتمع القطري، أوضحت د. لينا أن الوعي تحسن بشكل واضح في السنوات الأخيرة، بفضل الحملات والخدمات التي ساعدت الناس على فهم الموضوع بصورة أفضل، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن الوصمة الاجتماعية ما زالت قائمة بدرجات متفاوتة، وأن بعض الأفراد لا يزالون يترددون في طلب المساعدة النفسية وأضافت أن هذه الوصمة خفّت كثيراً مقارنة بالسابق، بعدما أصبح الناس أكثر إدراكاً لأهمية التدخل النفسي ودوره العلمي في تحسين حياة الأفراد ومساعدتهم على بناء مهارات التكيف.
كما أوضحت أن من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً حول العلاج النفسي اعتقاد بعض الناس أنه مخصص فقط لمن يعانون اضطرابات شديدة، أو أنه لا يؤدي إلى نتائج حقيقية، أو أنه مضيعة للوقت والمال وترى أن هذه الأفكار بعيدة عن الواقع، لأن العلاج النفسي في جوهره استثمار في الذات، وخطوة تساعد الإنسان على فهم نفسه والتعامل مع حياته بصورة أكثر وعياً واتزاناً.
وأشارت د. لينا إلى أن أكثر المشكلات النفسية التي تلاحظها لدى المراجعين حالياً تتمثل في القلق، والاكتئاب، والضغوط، والصدمات النفسية، وهي مشكلات ترتبط في كثير من الأحيان بظروف الحياة اليومية وما يمر به الأفراد من تحديات متراكمة كما أوضحت أن الضغوط النفسية ليست دائماً أمراً سلبياً، إذ قد تكون في بعض الأحيان دافعاً للإنتاجية، لكن الخطر يبدأ عندما يعجز الإنسان عن تنظيم انفعالاته والتعامل مع هذه الضغوط بطريقة صحية، فتتراكم إلى حد يؤثر على توازنه النفسي وسلوكه اليومي.
وفي ما يتعلق بتأثير الصدمات القديمة وتجارب الطفولة، أكدت أن الماضي يشكل الحاضر بدرجات تختلف من شخص إلى آخر، بحسب الفروق الفردية، ومستوى الدعم المتاح، والقدرات النفسية والجسدية، والعوامل المحيطة بكل إنسان وأشارت إلى أن بعض الأشخاص قد يتمكنون من تحويل الصدمات إلى مساحة للنمو والتعافي، فيما يحتاج آخرون إلى دعم نفسي متخصص يساعدهم على إعادة معالجة هذه التجارب وفهم أثرها على حاضرهم.
وعن الرحلة العلاجية، أوضحت د. لينا أن العلاج النفسي يبدأ من أهداف الشخص نفسه، أي من السبب الذي يدفعه لطلب المساعدة، وما الذي يرغب في الوصول إليه ولفتت إلى أن التثقيف النفسي جزء أساسي من هذه الرحلة، لأنه يساعد المستفيد على فهم حالته، وفهم طبيعة العلاج، وتوقعاته، ودوره في عملية التغيير كما شددت على أن العلاج النفسي ليس حدثاً فورياً يغير الحياة من جلسة واحدة، بل هو مسار يقوم على التعاون بين المعالج والمستفيد، ويتطلب التزاماً ومشاركة فعلية من الطرفين.
كما فرّقت بين الدعم النفسي العام والعلاج النفسي المتخصص، موضحة أن الدعم النفسي يمكن تقديمه في الحالات البسيطة أو في الظروف الطارئة والكوارث والأزمات، بينما يتطلب العلاج النفسي المتخصص تأهيلاً أكاديمياً ومهنياً أعمق، ويُستخدم مع الحالات الأكثر تعقيداً، من خلال مقاربات علاجية معتمدة مثل العلاج السلوكي المعرفي، وعلاج الصدمات، والعلاج السلوكي الجدلي، وغيرها من الأساليب التي تستند إلى أسس علمية واضحة.
وأكدت أن هذه الأساليب الحديثة تساعد على تحسين جودة الحياة لأنها لا تكتفي بالنظر إلى السلوك الظاهر، بل تذهب إلى جذور المشكلة، من خلال فهم أنماط التفكير، وإعادة بناء القناعات غير المتكيفة، وتعليم مهارات حل المشكلات، ووضع الحدود الصحية، وإدارة المشاعر والانفعالات وترى أن مثل هذه المقاربات تمنح الفرد أدوات عملية تمكنه من إحداث تغيير حقيقي ومستدام في حياته.
وفي حديثها عن الشباب، أوضحت د. لينا أن من أبرز التحديات النفسية التي يواجهونها اليوم الإدمان على وسائل التواصل الاجتماعي، والمقارنة المستمرة بالآخرين، وضعف القدرة على تحمل الإحباط، إضافة إلى التنافس والقلق المرتبطين بالتغيرات المتسارعة في العالم، بما في ذلك التحولات التي فرضها الذكاء الاصطناعي على بعض المجالات المهنية والتعليمية.
كما شددت على أهمية دور الأسرة في تقديم الدعم النفسي الصحيح للأبناء، مؤكدة أن وجود الأهل، وإصغاءهم دون أحكام، وبناؤهم علاقة ثقة وصداقة مع أبنائهم، كلها عناصر أساسية في الدعم النفسي السليم وترى أن الأسرة تمثل الركيزة الأولى للدعم النفسي والاجتماعي، وأن حضورها الفعلي إلى جانب الأبناء، خصوصاً في فترات الخطأ أو الضعف أو الأزمات، يصنع فارقاً كبيراً في قدرة الأبناء على التماسك والتعافي.
وعن العلامات التي تستدعي التدخل المهني، أوضحت أن هناك مؤشرات لا ينبغي تجاهلها، مثل الحزن المستمر، والانعزال، وإهمال النظافة الشخصية، واضطراب النوم، وتغير الشهية، والتوتر الزائد، وبعض السلوكيات المتكررة مثل قضم الأظافر أو نتف الشعر، إلى جانب علامات أكثر شدة مثل الانفصال عن الواقع أو الهلاوس أو اضطراب ترابط الأفكار وشددت على أن الانتباه المبكر لهذه العلامات يساعد على طلب المساعدة في الوقت المناسب.
وفي ختام حديثها، أكدت د. لينا صادق أن الصحة النفسية هي حالة من الرفاه النفسي تساعد الإنسان على أن يعيش حياة أكثر اتزاناً وإنتاجية، وتمكنه من تحقيق أهدافه وتجاوز الأوقات الصعبة ووجهت رسالة واضحة إلى كل من يتردد في طلب المساعدة، مفادها أن الإنسان ليس مطالباً بأن يعاني وحده، وأن التدخل المبكر دائماً ما يكون أفضل، لأن نتائجه تكون أسرع وأكثر فاعلية، تماماً كما يحدث في أي جانب آخر من جوانب الرعاية الصحية.