حين يصبح التفكير عبئاً “الطالبة بخيتة سعيد تروي تجربتها مع القلق الزائد”

صورة تعبيرية – المصدر الذكاء الاصطناعي

في حوارها مع مجلة سَكينة، كشفت الطالبة بخيتة سعيد آل مسعود عن جانب إنساني عميق من تجربتها مع القلق، موضحة كيف يمكن لهذا الشعور أن يتجاوز كونه حالة عابرة ليصبح عبئاً يومياً ينعكس على الدراسة، والعلاقات، وطريقة التفكير، وحتى على القدرة على عيش اللحظات الجميلة كما ينبغي. ومن خلال حديثها الصريح، بدت تجربتها أقرب إلى صوت كثير من الشباب الذين يعيشون القلق بصمت، من دون أن يجدوا دائماً الكلمات التي تشرح ما يدور في داخلهم.
تصف بخيتة نفسها أولاً بوصفها إنسانة قبل أي شيء آخر، وترى أن هذا الوصف هو الأصدق، لأنها مثل أي إنسان مرت بتجارب متعددة، وأخطأت، وتعلمت، وما زالت تحاول أن تتغير وتفهم ذاتها أكثر. ومن هذا المنطلق، جاء حديثها عن القلق لا كعنوان طبي مجرد، بل كتجربة شخصية ممتدة رافقتها منذ الطفولة، قبل أن تدرك بصورة واضحة حجم تأثيرها الحقيقي في حياتها خلال عام 2020، وهي الفترة التي شكّلت نقطة تحول مهمة في علاقتها مع هذا القلق.
وتوضح أن تلك السنة كانت شديدة الصعوبة عليها، خاصة في ظل جائحة “كوفيد-19” وما رافقها من ضغوط صحية ونفسية، لكونها من الفئات الأكثر حساسية بحكم ظروفها الصحية. وتقول إن القلق في تلك المرحلة لم يكن مجرد أفكار مزعجة، بل ترجم نفسه إلى أعراض جسدية دفعتها إلى ارتياد أقسام الطوارئ مراراً، قبل أن يتبين لاحقاً أن كثيراً من تلك الأعراض كان مرتبطاً بالحالة النفسية لا بمشكلة جسدية مباشرة. ومن هنا بدأت تلتفت إلى أن ما تعيشه أعمق من مجرد توتر عابر، وأن عدم فهمها لما كانت تشعر به كان أحــد الأسباب التي جعلت التجربة أكثر إرباكاً وألماً.
وتكشف بخيتة أن القلق يتسلل إلى يومها العادي من أكثر التفاصيل بساطة، خاصة حين يرتبط الأمر بفكرتها عن محاولة أن تكون “أفضل نسخة من نفسها”. فالمواقف التي قد يراها الآخرون عادية، مثل خطأ بسيط أو زلة لسان أو نتيجة لم تكن بالمستوى المتوقع، تتحول في داخلها إلى مساحة كبيرة من جلد الذات والتوتر. وترى أن القلق يلتهم اللحظة، ويجعلها تنظر إلى أخطائها بعين قاسية، رغم أنها تؤمن في العمق بأن الفشل ليس نهاية العالم، بل فرصة للتعلم وإعادة النظر في الطرق التي نتعامل بها مع أنفسنا ومع الآخرين.
وفي حديثها عن أثر القلق على حياتها اليومية، تؤكد أن أكثر ما يرهقها هو أنه يسرقها من اللحظة الحاضرة. فالقلق، كما تصفه، يقف حائلاً أمام التركيز، ويجعل المهام البسيطة تبدو وكأنها أعمال شاقة تحتاج إلى جهد هائل. وقد تجد نفسها تستغرق وقتاً طويلاً جداً في عمل بسيط، ثم لا تنجز منه إلا جزءاً محدوداً، ليس بسبب عدم قدرتها، بل لأنها لم تكن حاضرة ذهنياً، بل غارقة في الأفكار والانشغالات الداخلية. بهذا المعنى، لا يبدو القلق مجرد انفعال نفسي، بل حالة تؤثر مباشرة في الزمن والطاقة والقدرة على الإنجاز.
وتشير بخيتة إلى أن أكثر ما يرهقها في التجربة ليس فقط كثرة التفكير، بل ما يصاحب القلق من أعراض نوبات الهلع والأعراض الجسدية التي تجعل التمييز بين الألم النفسي والجسدي أمراً بالغ الصعوبة. فالإفراط في التفكير، كما تقول، قد يتحول إلى شعور يشبه الركض في “ماراثون” حتى في الوقت الذي يُفترض أن يكون وقتاً للراحة والنوم. ولهذا يصبح الجسد نفسه ساحة لترجمة القلق، ما يزيد الإرباك، ويجعل الشخص حائراً بين ما إذا كان ما يمر به نفسياً أم صحياً عضوياً.
وتكشف أيضاً أن من أصعب ما في القلق هو صعوبة شرحه للآخرين. فالمشاعر في نظرها لا تأتي واضحة وسهلة، بل متداخلة مثل “كرة صوف”، تجعل التعبير عن الداخل مهمة شاقة. وتسترجع في هذا السياق لحظات مهمة في حياتها، مثل حفل تخرج أختها أو زواج ابنة خالتها، وتقول إن القلق سرق منها قدرتها على عيش هذه المناسبات بكامل الشعور. كانت تعيشها بجزء من إحساسها، بينما يظل الجزء الآخر غارقاً في الانفعال الداخلي والارتباك وعدم القدرة على ترجمة ما تشعر به. وترى أن الخطر لا يقف عند حدود اللحظة نفسها، بل يمتد إلى ما بعدها، حين يعيد القلق استخدام هذه الذكريات ليذكّر الإنسان بما فاته وبالمشاعر التي لم يستطع الإفصاح عنها في وقتها.
ومن هنا جاءت إحدى أبرز رسائلها خلال الحوار، حين شددت على أهمية عدم “تسويف المشاعر”، تماماً كما نتحدث عادة عن تسويف المهام. فهي ترى أن على الإنسان أن يعبّر عن امتنانه وحبه ومشاعره الصادقة في وقتها، لا أن يؤجلها حتى يضيع السياق أو اللحظة. وهذه الفكرة بدت في حديثها واحدة من أكثر الخلاصات الإنسانية عمقاً في تجربتها مع القلق.
أما عن تعامل المقربين معها، فتقول إن والدتها كانت من أكثر الأشخاص الذين واجهوا صعوبة في فهم ما تعيشه، خاصة في المراحل الأولى، حين لم يكن من السهل التمييز بين الألم الحقيقي والخوف. لكنها في الوقت نفسه تستعيد حضور الأم بوصفه مصدر احتواء ذكي وحنون، حتى في الفترات التي لم يكن فيها التفسير واضحاً. وتتذكر كيف كانت والدتها تتعامل مع مخاوفها في الطفولة بحنان وطمأنة، وكيف عرفت لاحقاً أن بعض الآلام التي كانت توقظها ليلاً كانت مرتبطة بالقلق أكثر من أي سبب عضوي. ومن خلال هذه الذكرى، تؤكد بخيتة أهمية أن يُحاط الإنسان بأشخاص لا يشككون في ألمه، بل يحتوونه حتى قبل أن يفهموه بالكامل.

وتعترف بخيتة بأن القلق حرمها من كثير من الأشياء التي كانت ترغب في عيشها بصورة كاملة، ليس لأنه منعها من الحضور فقط، بل لأنه سلب منها القدرة على أن تكون حاضرة بكل مشاعرها. وتقول إن القلق علّمها الصمت قبل الكلام، وجعلها أحياناً تهمش نفسها قبل أن تصدق عيون المحبين من حولها. ولذلك تصفه بأنه “العدو الأكبر للحب”، لأنه لا يكتفي بإرهاق الإنسان داخلياً، بل يتسلل أيضاً إلى علاقته بدراسته، وشغفه، وعائلته، وأصدقائه.
وفي ما يتعلق بوسائل التهدئة، تشير إلى أنها تحاول حين تحتدم العاصفة في داخلها أن تبطئ اللحظة: تتنفس بعمق وببطء، وتتحدث ببطء، وتحاول أن تمنح نفسها مساحة للتفكير الهادئ بدل الاندفاع وراء التفسير القَلِق للمواقف. وتوضح أن هذه المحاولة تساعدها أحياناً على إدراك أن ما رأته أو فهمته لم يكن الحقيقة الكاملة، بل مجرد قراءة للأحداث بعدسة القلق لا بعدسة الواقع.
وعن طلاب اليوم، ترى بخيتة أنهم يواجهون ضغوطاً نفسية أكبر من السابق، ليس فقط بسبب الدراسة نفسها، بل بسبب تضاعف الملهيات واختلاط التعليم بالترفيه داخل الجهاز نفسه. فالهاتف الذي يفترض أن يساعد في الوصول إلى البريد الجامعي أو المنصات التعليمية قد يصبح في اللحظة نفسها مدخلاً إلى إشعارات ومشتتات لا تنتهي، ما يعزز الشعور بعدم الإنجاز ويغذي القلق بصورة مستمرة. ومن هنا، تنظر إلى التحدي الحالي على أنه تحدٍ مضاعف، لأن الطالب اليوم لا يواجه المهمة وحدها، بل يواجه أيضاً كل ما يقطع انتباهه عنها.
وتتمنى بخيتة أن يفهم الناس شيئاً أساسياً عن الشخص الذي يعيش مع القلق، وهو أن ما يبدو عليهم من صمت أو تقصير في التعبير لا يعني بالضرورة أنهم غير صادقين أو غير مبالين، بل قد يكون انعكاساً مباشراً لما يعيشه هذا الشخص من تشوش داخلي. ولذلك فهي تدعو إلى خلق مساحة آمنة قائمة على المواجهة اللطيفة والتفهم وعدم التسرع في إطلاق الأحكام.
وفي رسالتها إلى كل طالب أو طالبة يمرون بتجربة مشابهة، تشدد على أهمية منح النفس “استراحة” من الشعور الدائم بالذنب، وعلى ضرورة الفصل بين وقت التعليم ووقت الترفيه، حتى يأخذ كل جانب حقه من التركيز والحضور. كما تؤكد أن الإنسان ليس مجرد نتيجة اختبار أو تقييم نهائي، وأن احتضان النفس يجب أن يسبق لومها، لأن الحياة كلها، كما تقول، مساحة تعلم مستمرة، داخل الجامعة وخارجها على حد سواء.
وتختصر بخيتة تجربتها مع القلق في دعوة واضحة إلى عدم الإنصات إلى القلق والانتباه بدلاً من ذلك إلى اللحظة الراهنة. فهي ترى أن النجاة تبدأ حين ينقل الإنسان تركيزه من صخب الداخل إلى حقيقة الخارج، من “وحوش الماضي” و”أنياب المستقبل المجهول” إلى ما يحدث الآن، هنا، في هذه اللحظة. كما تؤكد أن العلاج النفسي تجربة إنسانية عميقة تستحق أن يخوضها الإنسان في أي عمر، وأن من الضروري كسر الوصمة التي ما زالت ترافقها، لأن هذه التجربة ليست علامة ضعف، بل مساحة صدق وفهم وتعافٍ.
وفي ختام هذا الحوار، تبرز تجربة بخيتة سعيد آل مسعود بوصفها شهادة إنسانية على أن القلق ليس مجرد شعور عابر، بل حالة قد تتداخل مع كل تفصيل يومي، من الدراسة إلى العلاقات إلى أبسط اللحظات التي يفترض أن تكون مريحة وآمنة. كما تؤكد هذه التجربة أن الاعتراف بالمشاعر وفهمها وطلب المساندة ليست خطوات ثانوية، بل بدايات حقيقية نحو التوازن النفسي. وتبقى رسالتها الأوضح أن القلق لا ينبغي أن يُفهم كضعف، بل كتجربة إنسانية تستحق الاحتواء، وأن طلب الدعم هو الخطوة الأولى نحو سكينة أكثر صدقاً وطمأنينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *