
أثناء دخول ناصر للمستشفى لتلقي العلاج
عند مدخل المستشفى، يدخل ناصر بخطوات هادئة لا تشبه ضجيج الأطفال في مثل عمره يبدو صغيراً كأي طفل في السابعة، يحب اللعب وكرة القدم والسيارات، لكن داخله معركة يومية لا يراها كثيرون في الممرات التي تتكرر فيها المواعيد والجلسات، لا يلاحق ناصر مرضاً ظاهراً، بل يواجه خوفاً عميقاً من شيء يراه الآخرون بسيطاً وعادياً: إنه الطعام.
ناصر، الطفل الذي لم يتجاوز السابعة من عمره، يعاني من اضطراب تجنب أو تقييد تناول الطعام، وهي حالة نفسية وحسية تجعل تناول الطعام تجربة مثقلة بالخوف والرفض والتوتر لا يتعلق الأمر هنا بعدم الرغبة العابرة في الأكل، ولا بدلال الطفولة المعتاد، بل بحالة تجعل الطفل ينتقي طعامه بشكل شديد، ويرفض أصنافاً كثيرة، ويظهر حساسية مرتفعة تجاه ملمس الطعام ورائحته وطعمه، سواء عند لمسه باليد أو عند وضعه داخل الفم.
وتتابع د مونيكا حالة ناصر ضمن جلسات العلاج الوظيفي، حيث يعمل الفريق العلاجي معه على مساعدته في استكشاف أطعمة جديدة، والتدرج في تقبل ملامس مختلفة، بما يخفف من حساسيته ويوسع خياراته الغذائية شيئاً فشيئاً.
وتقول أخصائية العلاج الوظيفي الدكتورة مونيكا: ناصر يعاني نفوراً من الطعام يجعله انتقائياً جداً في الأكل، إلى جانب حساسية عالية تجاه الملمس سواء باليد أو داخل الفم، ولذلك نعمل معه تدريجياً على استكشاف أطعمة جديدة وتجربة ملامس مختلفة بهدف تخفيف هذه الحساسية.
وتضيف: التعامل مع هذه الحالة يحتاج إلى وقت وصبر وتدرج، لأن الهدف ليس إجبار الطفل على الأكل، بل مساعدته على بناء شعور بالأمان تجاه الطعام.
التعامل مع هذه الحالة يحتاج إلى وقت وصبر وتدرج، لأن الهدف ليس إجبار الطفل على الأكل، بل مساعدته على بناء شعور بالأمان تجاه الطعام.
د. مونيكا – أخصائية العلاج الوظيفي
اضطراب يتجاوز الانتقائية

يخلط كثيرون بين الانتقائية الطبيعية في الطعام لدى بعض الأطفال، وبين الحالات التي تتجاوز ذلك إلى مستوى الاضطراب فبعض الأطفال قد يرفضون أطعمة معينة لفترة مؤقتة، لكنهم يواصلون تناول بدائل كافية ويحافظون على نموهم اليومي بشكل مقبول أما في حالة ناصر، فإن الخوف من الطعام ليس سلوكاً عابراً، بل حالة مستمرة تؤثر في علاقته بالأكل وفي تفاصيل يومه، وتستلزم متابعة مختصة.
ويُعرف هذا الاضطراب عادة بكونه حالة يتجنب فيها الطفل أو يقيّد تناول الطعام بدرجة ملحوظة، إما بسبب حساسية شديدة للملمس أو الرائحة أو الشكل، أو بسبب خوف من البلع أو الاختناق أو التقيؤ، أو بسبب نفور عام من تجربة الأكل نفسها وفي بعض الحالات، قد يؤدي هذا الاضطراب إلى محدودية شديدة في الأنواع الغذائية المقبولة، ويؤثر في النمو والتغذية والصحة النفسية للطفل والأسرة معاً.
وبحسب ما يرويه والد ناصر، فإن المؤشرات الأولى لهذه الحالة ظهرت في عمر مبكر جداً، إذ بدأت ملامح النفور من الطعام منذ الشهور الأولى من حياته لم يكن الخوف مرتبطاً بصنف واحد أو تجربة محددة، بل ظهر بصورة أوسع، حتى إن رؤية الطعام أو رائحته كانت كافية أحياناً لإثارة الانزعاج والرفض.
ويقول والد ناصر إن ابنه كان يظهر خوفاً واضحاً من الطعام منذ مراحل مبكرة جداً، وإن الوجبات لم تكن تمر عليه بشكل طبيعي كما يحدث مع كثير من الأطفال، بل كانت تمثل لحظات توتر مستمر للأسرة، خاصة مع اتساع قائمة الأطعمة المرفوضة وصعوبة إدخال أصناف جديدة.
بين المستشفى والطفولة
ورغم كل ما يرافق هذه الحالة من جلسات علاج ومحاولات مستمرة، يبقى ناصر طفلاً قبل أي شيء آخر خارج المستشفى، يبدو قريباً جداً من عالم الأطفال: يلعب، ويرسم، ويدرس، ويتحدث بحب عن كرة القدم والسيارات في تلك التفاصيل الصغيرة، يظهر ناصر كما ينبغي لطفل أن يكون؛ مفعمــاً بالحيــــاة، بسيطــاً، وعفوياً لكن حين يقترب الطعام، يعود الخوف مجدداً، وكأن هذا الملف وحده قادر على سحب الطمأنينة من يومه.
ويعبّر ناصر عن مشاعره تجاه الطعام بوضوح طفولي بسيط، حين يقول إنه يحب اللعب وكرة القدم والسيارات، لكنه يخاف من الأكل هذا الخوف، رغم براءة العبارة، يكشف عبئاً نفسياً كبيراً يعيشه الطفل كلما وُضع أمام وجبة جديدة أو طُلب منه أن يجرب طعاماً لا يشعر بالأمان نحوه.
وترى د مونيكا أن مثل هذه الحالات تتطلب فهماً يتجاوز الأحكام السريعة أو الضغوط الأسرية المعتادة المرتبطة بالطعام فالإصرار أو التوبيخ أو المقارنة بالأطفال الآخرين لا يخفف المشكلة، بل قد يزيد من ارتباط الأكل بالخوف والضغط.
وتوضح د مونيكا: هذه الحالة لا ترتبط بالعند أو الرفض العادي للطعام، بل بحساسية فعلية وخوف حقيقي يعيشه الطفل عند مواجهة الأكل، ولهذا فإن الأسلوب العلاجي يجب أن يكون داعماً ومتدرجاً.
وتتابع: نحن نحاول أن نوسع خيارات ناصر الغذائية خطوة خطوة، وأن نخفف ردود الفعل الحسية المرتبطة بالملمس والطعم، لأن بناء علاقة آمنة مع الطعام هو الأساس في التحسن»
آثار نفسية تتجاوز الوجبة
لا يقف أثر هذا الاضطراب عند حدود الأكل فقط، بل ينعكس كذلك على نفسية الطفل وأسرته فالطفل الذي يعيش خوفاً متكرراً من الطعام قد يرتبط لديه وقت الوجبات بالقلق والتوتر، وقد يشعر بالضغط إذا كان الآخرون لا يفهمون طبيعة ما يمر به كما قد تتحول الوجبة اليومية إلى مساحة مواجهة بدلاً من أن تكون لحظة طبيعية أو مريحة.
أما الأسرة، فغالباً ما تعيش بدورها ضغوطاً مستمرة بين القلق على صحة الطفل، والرغبة في مساعدته، والحيرة أمام رفضه المتكرر للأكل ومع مرور الوقت، يصبح التحدي نفسياً واجتماعياً أيضاً، لا غذائياً فقط، خاصة حين يتطلب الأمر متابعة علاجية منتظمة وصبراً طويلاً على التحسن التدريجي.
ومن هنا، يبرز دور العلاج الوظيفي والدعم الأسري في مثل هذه الحالات، من خلال مساعدة الطفل على التعرف على الطعام بطريقة أكثر أماناً، وعدم اختزال المشكلة في فكرة “طفل لا يريد أن يأكل” فالفهم الصحيح للحالة يشكل جزءاً مهماً من العلاج، تماماً كما تفعل الجلسات المتخصصة.
التعافي يبدأ بالفهم
تؤكد قصة ناصر أن بعض الاضطرابات النفسية والحسية المرتبطة بالطعام قد تكون خفية على المحيطين، لكنها مرهقة جداً لمن يعيشها كما تكشف أن الطفل قد يبدو طبيعياً ومليئاً بالحياة في كثير من جوانب يومه، ثم يدخل في صراع حقيقي أمام طبق الطعام وهذا ما يجعل التشخيص المبكر، والدعم المهني، والتعامل الهادئ من الأسرة، عناصر أساسية في مسار التحسن.
وتشدد د مونيكا على أن الوصول إلى نتائج إيجابية يحتاج إلى شراكة بين المختصين والأسرة، وإلى وعي بأن التقدم في هذه الحالات غالباً ما يكون تدريجياً، ويقاس بخطوات صغيرة لكنها مهمة.
وتقول في ختام حديثها: كل استجابة بسيطة من ناصر تجاه طعام جديد تعد خطوة مهمة، لأن التحسن في هذه الحالات لا يحدث دفعة واحدة، بل يبنى على التدرج والثقة والدعم المستمر.
في النهاية لا تبدو معركة ناصر مع الطعام مجرد مشكلة عابرة في الشهية، بل قصة طفل يواجه خوفاً حقيقياً بصبر يومي، وبين جلساته داخل المستشفى وحياته خارجه، يبقى الأمل حاضراً في أن تتحول الوجبة يوماً ما من مصدر قلق إلى جزء طبيعي وآمن من طفولته.
