
صورة تعبيرية – المصدر الذكاء الاصطناعي
لم تعد الصحة النفسية في قطر موضوعاً هامشياً أو حديثاً مؤجلاً، بل أصبحت جزءاً أساسياً من النقاش المجتمعي والمؤسسي، خاصة مع اتساع حملات التوعية وتطور الخدمات العلاجية وتزايد الاهتمام الرسمي بالرفاه النفسي ومع ذلك، يبقى سؤال مهم حاضراً: إذا كانت الخدمات النفسية متاحة، فلماذا لا يزال بعض الأفراد يترددون في طلبها؟
تكشف المؤشرات الرسمية أن المجتمع القطري شهد تحولاً واضحاً في مستوى الوعي بالصحة النفسية خلال السنوات الأخيرة فقد أظهرت نتائج مسح قطر الوطني لاتجاهات ووعي الصحة النفسية 2020 ارتفاع نسبة البالغين الذين وصفوا أنفسهم بأنهم يتمتعون بوعي متوسط إلى عالٍ بالصحة النفسية من 52% في عام 2018 إلى 77% في عام 2020، وهو تطور لافت يعكس تقدماً في فهم المجتمع لهذا الملف وتراجعاً نسبياً في دائرة الجهل المرتبطة به كما شمل المسح 1,100 مواطن ومقيم، ما يمنحه وزناً مهماً في قراءة التوجهات العامة داخل المجتمع.
لكن ارتفاع الوعي لا يعني بالضرورة اختفاء الوصمة فالمصادر الرسمية القطرية ما زالت تؤكد أن الوصمة النفسية تمثل أحد أبرز العوائق أمام طلب العلاج، إذ يخشى بعض الأفراد من نظرة المجتمع، أو من ربط المراجعة النفسية بالضعف أو “الخلل”، أو من القلق بشأن السمعة والانكشاف الاجتماعي وهذا يعني أن كثيرين قد يفهمون أهمية العلاج النفسي نظرياً، لكنهم يترددون في اتخاذ خطوة فعلية نحو طلبه.
وتظهر هذه المفارقة بوضوح في أن 81% من المشاركين في القياس الأساسي لاتجاهات ووعي الصحة النفسية أفادوا بأنهم سيلجؤون أولاً إلى البحث عن المعلومات عبر الإنترنت عند مواجهة مشكلة نفسية أو قضية تتعلق بالرفاه النفسي وتكشف هذه النسبة أن الخطوة الأولى لدى كثير من الأفراد ليست الذهاب مباشرة إلى العيادة، بل البحث الصامت والخاص عن تفسير أو طمأنة أو معرفة أولية، وهو ما يعكس استمرار الحذر الاجتماعي تجاه التصريح بالمشكلة النفسية أو طلب المساعدة المباشرة.
البيانات الرسمية
وتشير البيانات الرسمية إلى أن الثقة بوجود العلاج بدأت تتحسن، إذ إن 54% من المشاركين يدركون أن هناك علاجات فعالة متاحة في قطر لمن يعانون من مشكلات أو اضطرابات نفسية ورغم أهمية هذا الرقم، فإنه يكشف أيضاً أن جزءاً غير قليل من المجتمع ما زال بحاجة إلى مزيد من التوعية بفعالية العلاج النفسي وتنوع الخدمات المتاحة وآليات الوصول إليها.
وعلى مستوى الخدمات، تبدو الدولة ماضية بوضوح في توسيع نطاق الرعاية النفسية ودمجها ضمن المنظومة الصحية العامة فبحسب التقرير السنوي 2024 لمؤسسة الرعاية الصحية الأولية، بلغ عدد المرضى المسجلين لدى المؤسسة 1,874,919 مريضاً، فيما سُجلت 5,169,998 زيارة واستشارة خلال العام نفسه ومن بين هذه الأرقام، بلغ عدد زيارات الصحة النفسية 6,426 زيارة، كما توسعت خدمات الصحة النفسية لتشمل 9 مراكز صحية، مع توفير عيادات الطب النفسي المتكامل للبالغين في 7 مراكز هذه الأرقام تؤكد أن الخدمة أصبحت أكثر حضوراً وقرباً من الناس، لكن استخدامها ما زال محدوداً مقارنة بالحجم الكلي للخدمات الصحية.
وهنا تظهر فجوة مهمة بين الحاجة الفعلية والاستخدام الظاهر فوثائق الاستراتيجية الوطنية للصحة تشير إلى دراسة أُجريت في قطر على 1,660 شخصاً من مراجعي الرعاية الأولية، وخلصت إلى أن نحو 25% منهم لديهم نوع واحد على الأقل من الاضطرابات النفسية هذا يعني أن الحاجة إلى الرعاية النفسية داخل المجتمع ليست محدودة أو استثنائية، بل واسعة نسبياً، وأن انخفاض الإقبال المسجل لا يعكس بالضرورة انخفاض الحاجة، بقدر ما يعكس وجود عوائق نفسية واجتماعية وثقافية في طريق طلب العلاج.
الواقع القطري
ومن هنا فإن قراءة الواقع القطري تشير إلى أن المجتمع يعيش مرحلة انتقالية مهمة: الوعي يتقدم، والخدمات تتوسع، لكن الوصمة لم تختفِ بالكامل لم يعد الذهاب إلى الطبيب النفسي أمراً غائباً عن النقاش العام كما كان في السابق، إلا أن التردد لا يزال قائماً لدى بعض الأفراد، خاصة عندما ترتبط الصحة النفسية بنظرة اجتماعية مشوشة أو بمفاهيم قديمة تقلل من شأن العلاج النفسي أو تربطه بالأحكام المسبقة.
وربما تكمن أهمية المرحلة الحالية في أن الجهد لم يعد منصباً فقط على توفير الخدمة، بل على تطبيع طلبها فالتحدي الحقيقي اليوم ليس في وجود العيادات أو الخطوط الساخنة أو الكوادر المتخصصة فحسب، بل في ترسيخ قناعة مجتمعية مفادها أن طلب الدعم النفسي سلوك صحي طبيعي، لا يختلف عن مراجعة الطبيب لأي مشكلة جسدية أخرى.
في النهاية، تبدو الصورة في قطر أكثر نضجاً من السابق: المجتمع أكثر وعياً، والمؤسسات أكثر جاهزية، والخدمات النفسية أكثر قرباً وانتشاراً لكن كسر الوصمة بشكل كامل يحتاج إلى وقت، واستمرار في التوعية، وإبراز قصص التعافي، وتعزيز الثقة بأن العلاج النفسي ليس علامة ضعف، بل خطوة شجاعة نحو التوازن وجودة الحياة.