
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل أو الترفيه، بل أصبحت جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية الحديثة فهي ترافق الإنسان منذ لحظة استيقاظه وحتى نهاية يومه، وتؤثر في طريقته في التفاعل مع الآخرين، وفي نظرته إلى نفسه، وفي مستوى حضوره الذهني والعاطفي هذا الاتصال المستمر منح الأفراد مساحات واسعة للتعبير والوصول إلى المعلومات، لكنه في الوقت نفسه خلق بيئة نفسية مزدحمة بالمنبهات والمقارنات وردود الفعل السريعة.
في ظاهر الأمر، تبدو هذه المنصات مساحة مفتوحة للتقارب والتواصل، لكنها قد تتحول نفسياً إلى مصدر ضغط متكرر فالمستخدم لا يكتفي غالباً بأن يعيش تجربته، بل يجد نفسه مدفوعاً إلى عرضها ومقارنتها بتجارب الآخرين، وقياس قيمتها من خلال التفاعل الرقمي ومع الوقت، قد يصبح جزء من التقدير الذاتي مرتبطاً بعدد الإعجابات أو المشاهدات أو التعليقات، بدلاً من أن يكون نابعاً من شعور داخلي ثابت بالرضا والثقة.
ومن أكثر الآثار النفسية وضوحاً في هذا السياق المقارنة المستمرة فالفرد يتعرض يومياً لصور منتقاة بعناية لحياة الآخرين، بما تتضمنه من نجاحات، ومظاهر رفاه، وصور علاقات مثالية، وأجساد “مثالية”، ولحظات سعيدة متكررة ومع تكرار هذا المشهد، قد تتولد مشاعر بالنقص أو بعدم الرضا عن الذات أو بالإحباط، لأن ما يظهر على الشاشة يبدو أكثر اكتمالاً من الحياة الواقعية التي يعيشها الإنسان بكل ضغوطها وتعقيداتها.
كما أن التدفق السريع للمحتوى ينعكس على التركيز والانتباه فالتنقل المتواصل بين المقاطع القصيرة، والمنشورات، والرسائل، والأخبار، يضع العقل في حالة يقظة متقطعة لا تمنحه استقراراً طويلاً وهذا قد يؤدي إلى تشتت ذهني، وضعف في التركيز، وصعوبة في إنجاز المهام، خاصة عند الاستخدام المطول من دون فواصل أو حدود زمنية واضحة.
ومن الجوانب المهمة أيضاً تأثير هذه المنصات على المزاج فالتعرض المستمر للأخبار المقلقة، أو النقاشات الحادة، أو التعليقات الجارحة، أو الإحساس بالتجاهل الرقمي، يمكن أن يرفع مستوى التوتر والانفعال وقد يشعر بعض الأفراد بالقلق إذا لم يلقَ ما ينشرونه التفاعل المتوقع، أو إذا تأخر الآخرون في الرد، أو إذا وجدوا أنفسهم خارج دوائر التفاعل الاجتماعي الظاهرة على المنصات وهنا يتحول التواصل الرقمي من وسيلة للاتصال إلى مساحة تولد هشاشة انفعالية مستمرة.
ولا يتوقف الأثر عند ذلك، بل يمتد إلى النوم والصحة العامة فالاستخدام المطول لمواقع التواصل، خصوصاً في ساعات الليل، قد يؤخر النوم ويؤثر في جودته، ما ينعكس بدوره على التركيز والطاقة والمزاج خلال اليوم التالي ومع تراكم هذا النمط، قد يشعر الفرد بإرهاق نفسي وجسدي حتى من دون سبب واضح، بينما يكون السبب في الحقيقة مرتبطاً بحالة الاستنزاف المستمرة الناتجة عن الاتصال الرقمي الدائم.
وتتضاعف حساسية هذه التأثيرات عند الأطفال والمراهقين فهذه الفئة لا تزال في طور بناء الهوية والثقة بالنفس، ولذلك تكون أكثر تأثراً بالمقارنة، والتنمر الإلكتروني، والبحث عن القبول، وصورة الجسد، والانتماء الاجتماعي وقد تؤدي الضغوط الرقمية في هذه المرحلة إلى زيادة القلق، أو الانطواء، أو اضطراب المزاج، أو الشعور بالعزلة رغم كثرة الاتصال الظاهري بالآخرين وتؤكد المنصة الوطنية للصحة النفسية في قطر أن البقاء الطويل على الإنترنت قد يؤدي إلى فقدان الوقت المخصص لتطوير المهارات الاجتماعية الحقيقية، ويقلل من النشاط البدني، كما قد يعرّض الأبناء للتنمر على مواقع التواصل أو لمشاركة معلومات شخصية بطريقة غير آمنة.
ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى مواقع التواصل الاجتماعي بوصفها مصدراً للضرر فقط فهي قد تكون أيضاً مساحة للدعم، والتعلم، والوصول إلى المعلومات، ومتابعة حملات التوعية، والتعبير عن المشاعر، وبناء مجتمعات اهتمام مشتركة لكن الفارق الحقيقي لا يكمن في وجود المنصة نفسها، بل في طريقة استخدامها فالمنصة قد تكون نافعة عندما تُستخدم بوعي واعتدال، وقد تصبح عبئاً نفسياً عندما تتحول إلى مساحة للمقارنة المستمرة، أو الاستنزاف العاطفي، أو الهروب من الواقع.
الاحصائيات الرسمية
وتشير البيانات الرسمية في قطر إلى اتساع الحضور الرقمي بين الأفراد فبحسب نتائج تعداد قطر 2025 الصادرة عن المجلس الوطني للتخطيط، بلغ عدد مستخدمي الإنترنت ضمن السكان في الأسر بعمر 4 سنوات فأكثر نحو 449,675 من القطريين و1,371,652 من غير القطريين، كما بلغ عدد مستخدمي الحاسوب في الفئة نفسها 469,360 من القطريين و1,363,500 من غير القطريين وعلى مستوى المنصات الاجتماعية، أظهر استبيان هيئة تنظيم الاتصالات حول الأمان على منصات التواصل الاجتماعي الصادر في نوفمبر 2023 أن 98% من المشاركين يستخدمون مواقع التواصل يومياً، وأن أكثر المنصات استخداماً كانت X بنسبة 27%، وإنستغرام 20%، وفيسبوك 17%، وسناب شات 13%، وتيك توك 13% كما أوضحت الهيئة أن الاستبيان أُجري بين 20 أغسطس و7 سبتمبر 2023، وأنه استند إلى 135 استجابة مكتملة من عينة عشوائية عبر قنوات التواصل الاجتماعي، لذلك فهو يمثل مؤشراً رسمياً على كثافة الاستخدام، وإن لم يكن تمثيلاً سكانياً شاملاً.
بلغ عدد مستخدمي الإنترنت ضمن السكان في الأسر بعمر 4 سنوات فأكثر نحو 449,675 من القطريين و1,371,652 من غير القطريين، كما بلغ عدد مستخدمي الحاسوب في الفئة نفسها 469,360 من القطريين و1,363,500 من غير القطريين
المجلس الوطني للتخطيط
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن المشكلة لا تكمن في وسائل التواصل الاجتماعي بحد ذاتها، بل في أن يتحول استخدامها من أداة تواصل إلى عبء نفسي يومي فحين يغيب التوازن، يصبح الاتصال الدائم سبباً في التوتر، وتشتت الانتباه، واضطراب النوم، وضعف الرضا عن الذات أما حين يُستخدم بوعي، فيمكن أن يظل وسيلة نافعة لا تهدد الصحة النفسية ولا تستنزف هدوء الإنسان الداخلي.