الألعاب الرقمية وصحة الدماغ توازن بين الترفيه والفوائد المعرفية

تتجه الأبحاث الحديثة إلى قراءة الألعاب الرقمية بوصفها أكثر من مجرد وسيلة ترفيه، بعدما أظهرت دراسات ومراجعات علمية أن بعض أنماط اللعب قد ترتبط بتحسن في جوانب معرفية مثل الانتباه، والذاكرة العاملة، وسرعة المعالجة، والمهارات التنفيذية، خاصة عندما تكون الألعاب مصممة أو مستخدمة ضمن سياق منظم ومتوازن وفي المقابل، تحذر جهات صحية دولية من أن الإفراط في اللعب قد يقلب هذه الفوائد إلى آثار سلبية تمس النوم، والنشاط البدني، والتركيز، والتوازن النفسي والاجتماعي.

وتشير بيانات بحثية منشورة في Scientific Reports إلى أن ممارسة بعض ألعاب الفيديو، وخصوصاً الألعاب السريعة التفاعل، ارتبطت في دراسات سابقة بأداء أفضل في مجالات تشمل الانتباه، والإدراك البصري المكاني، والذاكرة العاملة، والتحكم النفسي الحركي، والتثبيط والتخطيط هذا الطرح لا يعني أن كل الألعاب تمنح الأثر نفسه، لكنه يعزز فكرة أن نوع اللعبة وطريقة استخدامها يحددان ما إذا كانت التجربة قادرة على دعم بعض وظائف الدماغ أو لا.

وفي المجال العلاجي والوقائي، أظهرت مراجعة وتحليل تلوي نُشرا في npj Digital Medicine عام 2024 أن الألعاب التفاعلية الحركية، ومنها الألعاب المعتمدة على الواقع الافتراضي، حققت نتائج إيجابية لدى من يعانون من ضعف إدراكي بسيط أو خرف، إذ سجلت تحسناً في الوظيفة المعرفية العامة، والتعلم والذاكرة، والذاكرة العاملة، والطلاقة اللفظية، والوظائف التنفيذية، مع ملاحظة أن الفوائد كانت أوضح مع فترات تدريب أطول.

كما دعمت تجربة سريرية عشوائية منشورة عام 2025 هذا الاتجاه، بعدما بينت أن ممارسة ألعاب فيديو عبر الهاتف الذكي ثلاث مرات أسبوعياً لمدة 12 أسبوعاً حسنت الأداء المعرفي والقدرة على حل المشكلات لدى كبار السن المصابين بضعف إدراكي بسيط، مقارنة بالمجموعة الضابطة وتمنح هذه النتائج بعداً عملياً لفكرة توظيف اللعب الرقمي في بعض برامج التنشيط المعرفي، لا سيما حين يكون الاستخدام موجهاً وتحت متابعة مناسبة.

لكن الصورة ليست وردية بالكامل فـمنظمة الصحة العالمية تؤكد أن اضطراب الألعاب يصيب نسبة صغيرة فقط من ممارسي الألعاب الرقمية، إلا أنها تنبه إلى ضرورة الانتباه إلى الوقت الذي يُستهلك في اللعب، خصوصاً عندما يكون ذلك على حساب الأنشطة اليومية والصحة الجسدية أو النفسية أو الأداء الاجتماعي كما حذرت المنظمة إقليمياً في أوروبا من أن 12% من المراهقين معرضون لخطر اللعب الإشكالي، مع ارتفاع النسبة بين الذكور، في وقت يلعب فيه ثلث المراهقين تقريباً ألعاباً رقمية يومياً.

وتضيف منظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط أن الإفراط في وقت الشاشة أو اللعب قد يزاحم السلوكيات الصحية مثل النوم والنشاط البدني، ويرتبط بعادات ضارة مثل السهر، وسوء التغذية، والصداع، وآلام الرقبة، كما قد يؤثر سلباً في التركيز والعلاقات الاجتماعية إذا خرج عن حد الاعتدال من هنا، تبدو المعادلة الأصح في التعامل مع الألعاب الرقمية قائمة على التوازن: ألعاب مناسبة، ووقت مضبوط، ومحتوى ملائم للعمر، مع الحفاظ على النوم والحركة والتواصل الواقعي، حتى تبقى الفوائد المعرفية الممكنة في موقعها الصحيح، بوصفها مكسباً إضافياً لا بديلاً عن أسس الحياة الصحية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *